فخر الدين الرازي

171

تفسير الرازي

واعلم أن الحق أن الأحوال الظاهرة التي وردت فيها الروايات حق وصدق لا مرية فيها ، واحتمال الآية لهذه المعاني الروحانية ظاهر أيضاً ، والمنهج القويم والصراط المستقيم هو الإقرار بالكل . والله أعلم بحقائق الأمور . قوله تعالى * ( مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدى لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ) * في الآية مسائل : المسألة الأولى : أنه تعالى لما قال في الآية الأولى : * ( وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ) * ( الإسراء : 13 ) ومعناه : أن كل أحد مختص بعمل نفسه ، عبر عن هذا المعنى بعبارة أخرى أقرب إلى الأفهام وأبعد عن الغلط فقال : * ( من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ) * يعني أن ثواب العمل الصالح مختص بفاعله ، ولا يتعدى منه إلى غيره ، ويتأكد هذا بقوله : * ( وأن ليس للإنسان إلا ما سعى * وأن سعيه سوف يرى ) * ( النجم : 39 ، 40 ) قال الكعبي : الآية دالة على أن العبد متمكن من الخير والشر ، وأنه غير مجبور على عمل بعينه أصلاً لأن قوله : * ( من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ) * إنما يليق بالقادر على الفعل المتمكن منه كيف شاء وأراد ، أما المجبور على أحد الطرفين ، الممنوع من الطرف الثاني فهذا لا يليق به . المسألة الثانية : أنه تعالى أعاد تقرير أن كل أحد مختص بأثر عل نفسه بقوله : * ( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) * قال الزجاج : يقال وزر يزر فهو وازر ووزر وزرا وزرة ، ومعناه : أثم يأثم إثماً قال : وفي تأويل الآية وجهان : الأول : أن المذنب لا يؤاخذ بذنب غيره ، وأيضاً غيره لا يؤاخذ بذنبه بل كل أحد مختص بذنب نفسه . والثاني : أنه لا ينبغي أن يعمل الإنسان بالإثم ، لأن غيره عمله كما قال الكفار : * ( إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون ) * ( الزخرف : 32 ) . واعلم أن الناس تمسكوا بهذه الآية في إثبات أحكام كثيرة .